عبد الكريم الخطيب

1168

التفسير القرآنى للقرآن

أي أن هؤلاء المشركين لا يستعملون عقولهم ، ولا ينظرون في هذه الآيات الكونية التي بين أيديهم . . بل لقد أنكروا الحياة بعد الموت ، وقالوا ما قاله آباؤهم من قبل . . قالوا : كيف نعود إلى الحياة مرة أخرى ، بعد أن نصير ترابا وعظاما ؟ ولو أنهم نظروا إلى الليل والنهار مثلا ، لعرفوا أن النهار ينسخه الليل ، ثم يعود النهار فيطلع من جديد ناسخا ظلام الليل . . وهكذا . . ليل ونهار ، ونهار وليل ! فمن عاش في النهار ، وملأ عينيه من ضوئه الوضيء . . ثم عاش في الليل ، ولفّه ظلامه الدّامس ، لم يكن له - حسب تقديرهم هذا - أن ينتظر نهارا يطلع من أحشاء هذا الظلام الكثيف ! لكن الذي يحدث ، هو أن نهارا يطلع من كيان هذا الظلام ، وكأن ليلا لم يكن ! كذلك الحياة ، والموت ، ثم الحياة بعد الموت . . فهذا الإنسان الذي كان يملأ الدنيا حركة وسعيا ، ثم تضمّه الأرض في بطنها ، ويدسّه التراب في كيانه . . ليس بالشيء البعيد المستغرب - والشواهد ماثلة - أن يخرج من بين أحشاء هذا التراب إنسانا ، كهذا الإنسان الذي كان ! قوله تعالى : « لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ » . هو تأكيد لقولهم الباطل الذي قالوه عن إمكان البعث . . وأن هذا البعث قد وعد به آباؤهم من قبل . . وها هم أولاء ما زالوا ترابا هامدا . . ثم إن هؤلاء يوعدون به . . وسيكونون بعضا من هذا التراب الهامد ، مع آبائهم . . فما هذا الوعد عندهم ، وحسب تطورهم ، إلا من الخرافات والأساطير التي تعيش في الناس من زمن بعيد ولا محصّل لها أبدا .